أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
45
عجائب المقدور في نوائب تيمور
فانفرد عن أصحابه ، وقد آذاه الجراح وأودى به ، ولم يبق معه في ذلك البحر ، سوى نفرين أحدهما يدعى توكل ، والآخر مهتر فخر ، وأخذه الدهش ، وغلب عليه العطش ، ونشف الرهج والوهج كبده ، وطلب شربة ماء فما وجده ، ولو وجد ما يبل به ريقه ، لما قدر أحد أن يقطع عليه طريقه ، فرأى الأولى ، أن يطرح نفسه بين القتلى ، فاطرح بينهم نفسه ، ورمى أهبته وسيب فرسه ، وقتل توكل ونجا فخر الدين ، وبه من الجراح نحو من سبعين ، وعمر بعد ذلك حتى بلغ تسعين ، وكان من الأبطال والمصارعين ، فتراجع جيش تيمور وتضام ، وانتعش بعد أن بلغ موارد الحمام ، وذلك بعد أن قتل منهم ما لا يعد ، وأفنى ليلا ونهارا ما لا يحصى ولا يحد ، وطفق تيمور في القلق ، والضجر والأرق ، لفقد شاه منصور ، وعدم الوقوف على حال ذلك الأسد الهصور ، أهو في الأحياء فيخشى فكره ، أم انتقل إلى دار الفناء فيؤمن مكره ، فأمر بتفتيش الجرحى ، والتنقيب عنه بين القتلى والطرحى ، إلى أن كادت الشمس تتوارى بالحجاب ، ويغمد حسام الضياء من الظلام في قراب . فعندما ضم دينار البيضاء ، تحت ذيل ملاءة الضياء ، ومد نساج القدرة في جو الفضاء سدا ، والليل إذا سجى ، ونثر على سطح هذا الأديم المساء ، دراهم كواكبه الزهراء ، واتسع الظلام واتسق ، عثر واحد من الجغتاي على شاه منصور وبه أدنى رمق ، فتشبث شاه منصور بذلك الإنسان ، بل الشيطان الخوان ، وناداه : الأمان الأمان ، أنا شاه منصور ، فأكتم عني هذه الأمور ، وخذ مني هذه الجواهر ، وخافت قضيتي ولا تجاهر ، وكأني لا رأيتك ولا رأيتني ، ولا عرفتك ولا عرفتني ، وإن أخفيت مكاني ، ونقلتني إلى إخواني وأعواني ، كنت كمن أعتقني بعد ما اشتراني ، ومن بعد ما أماتني أحياني ، وكنت ترى مكافأتي ، وتغنم مصافاتي ، ثم أخرج له من الجواهر ، ما يكفيه وذريته إلى اليوم الآخر ، فكان في قصته واستكشاف غصته ، كالمستغيث بعمرو عند كربته ، فما عتم أن وثب على شاه منصور ،